الآلوسي
200
تفسير الآلوسي
بين الغلمان والجواري أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت الجارية تأخذ الماء بيدها وتضرب بها الأخرى وتغسل وجهها والغلام يأخذ الماء بيديه ويضرب به وجهه وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعديها والغلام على ظاهره ثم رد سليمان عليه السلام الهدية كما أخبر الله تعالى ، وقيل : إنها أنفذت مع هداياها عصا كان يتوارثها ملوك حمير وقالت : أريد أن تعرفني رأسها من أسفلها وبقدح ماء وقالت : تملؤه ماء رواء ليس من الأرض ولا من السماء فأرسل عليه السلام العصا إلى الهواء وقال أي الطرفين سبق إلى الأرض فهو أصلها وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها وقال : هذا ليس من ماء الأرض ولا من ماء السماء اه . وكل ذلك أخبار لا يدري صحتها ولا كذبها ، ولعل في بعضها ما يميل القلب إلى القول بكذبه والله تعالى أعلم . * ( فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَانِى اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) * * ( فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ) * في الكلام حذف أي فأرسلت الهدية فلما جاء الخ ، وضمير * ( جاء ) * للرسول ، وجوز أن يكون لما أهدت إليه والأول أولى ، وقرأ عبد الله * ( فلما جاؤوا ) * أي المرسلون * ( قَالَ أَتُمدُّونَن بمَال ) * خطاب للرسول والمرسل تغليباً للحاضر على الغائب وإطلاقاً للجمع على الاثنين ، وجوز أن يكون للرسول ومن معه وهو أوفق بقراءة عبد الله ، ورجح الأول لما فيه من تشديد الإنكار والتوبيخ المستفادين من الهمزة على ما قيل وتعميمهما لبلقيس وقومها ، وأيد بمجىء قوله تعالى : * ( ارجع إليهم ) * بالإفراد ؛ وتنكير * ( مال ) * للتحقير . وقرأ جمهور السبعة * ( تمدونن ) * بنونين وأثبت بعض الياء . وقرأ حمزة بإدغام نون الرفع في نون الوقاية وإثبات ياء المتكلم . وقرأ المسيبي عن نافع بنون واحدة خفيفة والمحذوف نون الوقاية ، وجوز أن يكون الأولى فرفعه بعلامة مقدرة كما قيل في قوله : أبيت أسري وتبيتي تدلكي * وجهك بالعنبر والمسك الذكي * ( فَمَا ءَاتَانيَ اللَّهُ ) * أي من النبوة والملك الذي لا غاية وراءه * ( خَيْرٌ مِّمَّا ءَاتيكُمْ ) * أي من المال الذي من جملته ما جئتم به ، وقيل : عنى بما آتاه المال لأنه المناسب للمفضل عليه والأول أولى لأنه أبلغ ، والجملة تعليل للإنكار والكلام كناية عن عدم القبول لهديتهم ، وليس المراد منه الافتخار بما أوتيه فكأنه قيل : أنكر إمدادكم إياي بمال لأن ما عندي خير منه فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي ، والظاهر أن الخطاب المذكور كان أول ما جاؤه كما يؤذن به قوله تعالى : * ( فلما جاء سليمان ) * ( النمل : 36 ) الخ ، ولعل ذلك لمزيد حرصه على إرشادهم إلى الحق ، وقيل : لعله عليه السلام قال لهم ما ذكر بعد أن جرى بينهم وبينه ما جرى مما في خبر وهب . وغيره ، واستدل بالآية على استحباب رد هدايا المشركين . والظاهر أن الأمر كذلك إذا كان في الرد مصلحة دينية لا مطلقاً ، وإنما لم يقل : وما آتاني الله خير مما آتاكم لتكون الجملة حالاً لما أن مثل هذه الحال وهي الحال المقررة للإشكال يجب أن تكون معلومة بخلاف العلة وهي هنا ليست كذلك ، وقوله تعالى : * ( بَلْ أَنْتُمْ بهَديَّتكُمْ تَفْرَحُونَ ) * إضراب عما ذكر من إنكار الإمداد بالمال وتعليله إلى بيان ما حملهم عليه من قياس حاله عليه السلام على حالهم وهو قصور همتهم على الدنيا والزيادة فيها فالمعنى أنتم تفرحون بما يهدى إليكم لقصور همتكم على الدنيا وحبكم الزيادة فيها ، ففي ذلك من الحط عليهم ما لا يخفى ، والهدية مضافة إلى المهدي إليه وهي تضاف إلى ذلك كما تضاف إلى المهدي أو إضراب